قرأت كتابا رائعا عن حبيبنا المصطفى ، يتكلم فيه عن كونه المعلم الأول ، ثم ذكر كاتبه كثيرا من الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المعلم الأول ، وكان في كل صفة يضرب مثلا بإمام المعلمين ، ، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت أقتطف لكم من ثمرات جميل هذه الصفات ، وأسميتها :
سيد الأخلاق (صلى الله عليه وسلم)
مع القطفة الأولى من هذه الثمرات
= الصدق عند سيد الأخلاق
عند تأمل السيرة النبوية ، نجد أن نبيكم صلى الله عليه وسلم كان يسمى بالصادق الأمين ، ولم يعهد منه كفار مكة كذبة واحدة. ولما بعث وظهر أمره ، عاداه سادات قريش وأعيانهم ، لا لكذبه عليهم ، ولكن استكبارا وتجبرا ، وخوفا من سقوط هيبتهم وجاههم ومقامهم بين القبائل ، وقد صرح بحقيقة ذلك بعض أعيانهم. ولقد كان لاتصافه صلى الله عليه وسلم بالصدق أثرا كبيرا في دخول كثير من الناس في دين الله ، ورحم الله ذلك الصحابي (2) الذي عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم لأول وهلة قال : لما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب!
= مطابقة القول العمل لسيد الأخلاق
رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يأمر الناس بالخير وهو أول من يأتيه ، وكان ينهاهم عن الشر وهو أول من يجتنبه ويبتعد عنه ، وهذا من كمال خلقه عليه الصلاة والسلام ، ولا عجب فقد كان خلقه القرآن. ومطابقة القول العمل ، أسرع في الاستجابة من مجرد القول بمفرده ، يتبين لنا ذلك من خلال عرض هذا الحدث الذي وقع للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمسلمين معه في قصة الحديبية. فعندما صالح المشركون المسلمين على شروط معينة ومنها أن يرجع المسلمون من عامهم هذا عن مكة ويحجوا في عامهم المقبل. قال ابن القيم : فلما فرغ من قضية الكتاب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قوموا فانحروا ، ثم احلقوا" فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد ، دخل على أم سلمة ، فذكر لها ما لقي منه الناس ، فقالت أم سلمة : يا رسول الله : أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك ، فقام ، فخرج ، فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك : نحر بدنه ، ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأى الناس ذلك ، قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضا ».
= العدل والمساواة عند سيد الأخلاق
ورسولنا صلى الله عليه وسلم يضرب أروع الأمثلة في تحقيقه للعدل بين أفراد أمته. انظر للحديث الذي ترويه أم المؤمنين عائشة -- رضى الله عنها --
-- قالت : «إن قريش أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت ، فقالوا : ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا : ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد ، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلمه أسامة ، فقال : رسول الله "أشفع في حد من حدود الله؟" ثم قام فاختطب ، ثم قال : "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا ، إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم والله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» الله أكبر! انظر إلى من بلغ الذروة في تحقيق العدالة «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» وحاشاها أن تفعل ذلك. رضي الله عنها.
-- «عن النعمان بن بشير قال : تصدق علي أبي ببعض ماله. فقالت أمي عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشهده على صدقتي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أفعلت هذا بولدكم كلهم؟" قال : لا. قال : "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم". فرجع أبي فرد تلك الصدقة ». وجاء في رواية أخرى : «فلا تشهدني إذا. فإني لا أشهد على جور »
= التحلي بالأخلاق الفاضلة والحميدة عند سيد الأخلاق
والرسول صلى الله عليه وسلم كان أطيب الناس روحا ونفسا ، وكان أعظمهم خلقا (وإنك لعلى خلق عظيم) ولم يكن فظا غليظا حاد الطباع بل كان سهلا سمحا لينا رءوفا بأمته (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم) وقال تعالى : (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك).
ولقد ضرب رسولنا الكريم -- بأبي هو وأمي -- صلى الله عليه وسلم -- أروع الأمثلة في حسن الخلق ، كيف لا
وربنا عز وجل هو الذي امتدحه بذلك (وإنك لعلى خلق عظيم) وكانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تقول : «كان خلقه القرآن».
وتعال معنا لنرى ذلك الموقف الذي يرويه «أنس بن مالك : قال : (كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة ، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ، قال : يا محمد ، مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء ».
ما أعظم ذلك الخلق الرفيع الذي امتاز به النبي صلى الله عليه وسلم ، كان في مقدوره أن يؤدب ذلك الأعرابي على صنيعه ، ولكن لم تكن تلك من شيم ولا أخلاق المعلم الأول صلى الله عليه وسلم ، كيف يفعل ذلك وهو الذي قال : «من كظم غيظا وهو يقدر أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة ، حتى يخيره في أي الحور العين شاء ».
= تواضع سيد الأخلاق
وإليك بعض الأمثلة من تواضعه صلى الله عليه وسلم :
-- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد».
-- وعن أنس رضي الله عنه قال : «إن الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم ، فتنطلق به حيث شاءت».
-- وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم" قال أصحابه : وأنت؟ فقال : "نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة».
-- وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لو دعيت إلى كراع أو ذراع لأجبت ، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت».
-- وعن قيس بن مسعود «أن رجلا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فأخذته الرعدة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد »!
-- ويبلغ التواضع ذروته عند فتح مكة :
-- يقول ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر :... إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل.
-- وقال الحافظ البيهقي.. عن أنس قال : «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وذقنه على راحلته متخشعا».
* أرأيتم تواضعا أعظم من ذلك؟ قائد يظفر بخصومه الذين أخرجوه من بلده ، وقاتلوه ، وسبوه.. ثم يظفر بهم ويدخل معقلهم دخول الفاتحين ، ومع ذلك يطأطىء رأسه عند انتصاره على عدوه تواضعا لله وشكرا فما أعظمه من قائد ، وما أجله من مرب!
= الشجاعة الأدبية عند سيد الأخلاق
الشجاعة المقصودة هنا ، فهي شجاعة الكلمة ، والاعتراف بالخطأ والقصور البشري ، وهذا لا يكاد يسلم منه أحد ، أما التدليس ، والجبن ، والمراوغة فليست أمرا محمودا ، ويحسن بالمعلم أن ينأى عنه. ولعل الصورة تتضح بعد تأمل الأمثلة.
«عن أبي رافع بن خديج قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وهم يأبرون النخل. يقولون يلقحون النخل. فقال : (ما تصنعون؟) قالوا : كنا نصنعه. قال : (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا لكم) فتركوه. فنفضت ، أو فنقصت. قال فذكروا ذلك له فقال : "إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به. وإذا أمرتك بشيء من رأي ، فإنما أنا بشر» وفي بعض الروايات قال : «أنتم أعلم بأمور دنياكم».
من سياق الحديث يتضح لنا بشرية النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه يخضع للأحوال التي تعتري البشر من النسيان والخطأ وغير ذلك. أما في مقام التشريع فلا يجوز عليه ذلك ، نعم قد يحصل منه نسيانا في مقام التشريع لكي يشرع للأمة ، كما سلم من ركعتين في صلاة رباعية ، فلما أخبر بذلك قام وأتى بالباقي وسجد سجدتين للسهو ، ومحل بسط ذلك في كتب الأصول.
= الحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه بشر وأن رأيه في الأمور الدنيوية التي ليس فيها تشريع قد يصيب وقد يخطئ. قال النووي : (قوله) : «أنتم أعلم بأمور دنياكم» قال العلماء : قوله صلى الله عليه وسلم من رأيي أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على التشريع. فأما ما قاله باجتهاده صلى الله عليه وسلم ورآه شرعا يجب العمل به وليس من أبار النخل من هذا النوع بل من النوع المذكور قبله..
= ولو أننا أعدنا النظر إلى سياق الحديث مرة أخرى ، فإننا لا نجد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ، حاول أن يجد لنفسه العذر عندما رأى هذا الرأي -- وحاشاه ذلك -- بل اعترف ببشريته ، وأن هذه الأحكام تجرى على البشر.
= مزاح سيد الأخلاق
ولقد وردت أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في مداعبته لأهله ، ومزاحه مع أصحابه ، وسوف نتخير منها -- إن شاء الله -- ما يكفي ويشفي :
-- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : «قالوا : يا رسول الله! إنك تداعبنا. قال : "نعم ، غير أني لا أقول إلا حقا».
-- وعن أنس بن مالك «أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهرا وكان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية من البادية ، فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه ". وكان صلى الله عليه وسلم يحبه ، وكان رجلا دميما فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه ، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره ، فقال : من هذا؟ أرسلني. فالتفت ، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "من يشتري هذا العبد؟" فقال : يا رسول الله إذا تجدني كاسدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "لكن عند الله لست بكاسد" أو قال : "أنت عند الله غال».
-- وعن أنس بن مالك «أن رجلا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" إني حاملك على ولد ناقة "! فقال : يارسول الله ما أصنع بولد الناقة؟ فقال صلى الله عليه وسلم : "وهل تلد الإبل إلا النوق»؟ ".
= الصبر واحتمال الغضب عند سيد الأخلاق
ويجسد ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله فإنه -- بأبي وأمي -- كان أملك الناس لغضبه.
«عن أنس بن مالك قال : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عليه رداء نجراني غليظ شديد الحاشية ، فأدركه أعرابي. فجبذه بردائه جبذة شديدة. نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته. ثم قال : يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ثم أمر بعطاء ».
علق النووي على هذا الحديث بقوله : فيه احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم ، ودفع السيئة بالحسنة قلت : ولا شك أنه مهما بلغ من أمر الطالب ما بلغ ، فهو دون فعل ذلك الأعرابي بكثير! .
«عن عبد الله بن مسعود -- رضي الله عنه -- قال : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما. فقال رجل : إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فساررته. فغضب من ذلك غضبا شديدا واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له. قال : ثم قال : "قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر».
= تجنب الكلام الفاحش البذيء عند سيد الأخلاق