لا يشك عاقل في أن ما جرى على الحدود المصرية ليس في مصلحة القضية الفلسطينية على وجه العموم ، وليس في صالح قطاع غزة على وجه الخصوص ، وليس في صالح حكومة الشعب الفلسطيني ومن ورائها حركة حماس على وجه الأخص.
أولا : فإن مصر دولة عربية لها دور فاعل منذ أن كانت القضية الفلسطينية ، فآلاف من الرجال المصريين قد قضوا نحبهم على أرض فلسطين أو لأجل فلسطين أو بسببها ، وهناك من القادة المصريين الذين كانت لهم أياد طاهرة بيضاء قد أعطوا بسخاء للقضية في مختلف مجالات العطاء ، ويأتي في أولها التضحية والفداء ، ثم المجال العلمي والأكاديمي والصحي والاقتصادي ، وفي المقابل فإن الآلاف من الفلسطينيين يعيشون على أرض مصر وبين أبنائها ، لهم ما للمواطن المصري إلا المشاركة السياسية وعليهم ما عليه ، وقد نبغ منهم الكثير في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والإعلامية والصحفية ، فلا يجوز بحال أن يبدي مصري ندما على ذلك ، ويتنصل من هذا التاريخ الناصع لهذا الفداء ، كما لا يجوز أن ينساه فلسطيني ويتلسن عن جهل أو غيره بألفاظ لا تؤيدها حقيقة ، ولا يشهد لها منطق ، ولتتوقف كل المساجلات والمهاترات الإعلامية فورا ، لأن ذلك يجافي المصلحة العليا لمصر ولفلسطين ، وينبغي الاستماع لصوت الحق والعقل ، باستصحاب كل ما هو جدير بالتذكر ، وعدم النسيان أو النكران أو الندم ، بل لا بد من تعزيزه والإضافة عليه.
ثانيا : فإن مصر لم تتخلف يوما عن حمل القضية الفلسطينية في المحافل الدولية والعربية ، وكان الملف الفلسطيني بين يدي الساسة المصريين ، ولعلنا نذكر أدوار وزراء الخارجية المصريين وهم ينافحون عن القضية الفلسطينية بصلابة ووعي ، ولا ينكر ذلك إلا من جهله أو لم يعايشه ، فمن محمود فوزي إلى محمود رياض إلى محمد إبراهيم كامل الذي ترك منصبه بإباء عندما أحس بالتغول اليهودي على القضية الفلسطينية في كامب ديفيد ، ناهيك عن عشرات الآلاف من المثقفين والأكاديمين الذين تخرجوا في الجامعات المصرية مسلحين بإلمام كامل بالقضية ؛ تاريخا وصراعا وحقائق بوثائق وإحصائيات تدحض الافتراءات الصهيونية وعدوانيتها ، وقد يكون العمل الموسوعي للراحل عبد الوهاب المسيري عملا مصريا غير مسبوق ، وستمضي سنوات وسنوات كي يلحق به عمل آخر ، ولا أظن أنه سيتجاوزه ، ولقد حملت مصر بمختلف أطيافها السياسية وأحزابها وجماعاتها القضية الفلسطينية إلى كل منابرها ومحافلها ؛ توعية وتنويرا وتثويرا ، وشعب مصر هو الذي أفشل التطبيع رغم قرابة ثلاثين سنة على هذا السلام الذي ينعته المثقف المصري (بالبارد) ، ولا تزال الكثير من الشخصيات الاعتبارية وحتى الرسمية تنعت الكيان الصهيوني عند مرور ذكره (بالعدو) حتى ليصل الأمر بالسفارة الإسرائيلية أن تكون زنزانة معزولة تضم السفير وموظفي السفارة ، وينظر الشعب المصري إلى زائريها نظرة ريبة واحتقار تصل إلى درجة الاتهام بالعمالة والجاسوسية ، وها هي مصر تضطلع بملف المصالحة الفلسطينية وملف شاليط ، وحسبها أنها لم تتوقف عن بذل الجهد فيهما لتحقق فيهما مصلحة الشعب الفلسطيني ، مع الحرص ما أمكن ألا تفرط في حق أو تهمل مطلبا ، وإن تباينت الرؤى والمواقف. ثم إن مصر هي البوابة الوحيدة التي يلجها الشعب الفلسطيني ليتواصل مع العالم ، نعم إن إغلاق المعبر أمر ضار جدا بهذا الشعب ، ويزيد في معاناته ، وإن ما تقوله مصر بأنها تفتحه بين الفترة والأخرى هو صحيح ، ولكنه لا يحقق الحد الأدنى مما ينبغي أن يكون المعبر فيه مفتوحا ، إلا أن هذا القدر (ما دون الحد الأدنى) لا غنى عنه ، ويسهم بالتخفيف من المعاناة إلى حد ما ، وهذا ما لا ينبغي إغفاله أو التهوين منه ، ومن ثم تأخير فتحه بالكلية لسبب هنا أو لسبب هناك.
ثالثا : وهذه الأثافي ثالثة ، فما كان لمصر أن تتعامل مع حماس سياسيا وعسكريا بما تتعامل به معها ، فقد فازت حماس في انتخابات 2006 وشكلت حكومة شرعية ، ومصر من خلال سفارتها ولجنتها الأمنية بقيادة اللواء مصطفى البحيري ثم اللواء برهان حماد قد رأت حماس تمثل الشرعية ، وعلى هذه الشرعية قام الانفلاتيون بعرقلة كل ذلك وتعطيله. وبرز سؤال لم يجد له أي مراقب جوابا : لماذا رفضت مصر أن تتعامل مع حكومة حماس (المنتخبة)؟ ولماذا لم تستقبل رئيسها إسماعيل هنية؟ في الواقع إن هذا الأمر قد فاقم كثيرا من الإشكاليات ، وولد كثيرا من المشاعر السلبية لدى الطرفين ، ووجد فيه الخائضون مجالا للخوض ، ولو لم يكن لما كانت أحداث الشريط الحدودي المؤسفة أبدا ، ولفاتت الفرصة على الانفعاليين أن يمسكوا بحجر من هنا أو هناك ، فضلا عن رميه ، ولاستحال أن تسقط قطرة دم واحدة لا إزهاق روح.